السيد محمد تقي المدرسي
42
من هدى القرآن
نعم ليس من الصحيح تصور أن الأسيرة لم تصبح مؤمنة إيماناً حقيقيًّا ، بل إيماناً ظاهراً بسبب مغريات الإيمان ، ويقول القرآن ليس هذا التصوير صحيحا : إذ أن الله هو العالم بحقيقة الإيمان . وأما الناس فلو أرادوا أن يتعاملوا مع بعضهم بهذا المقياس ، إذن لسرى الشك إلى كل إنسان ولا يمكنهم أن يتعاونوا أبداً ، إنما علينا أن نلاحظ ظواهر الإيمان ، كما أنه ليس من الصحيح الاعتقاد بأن الأسيرة ذات عنصر أدنى من العنصر العربي ، لأن الله خلق الناس جميعاً من نفس واحدة ، والناس بعضهم من بعض وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . ولكن الزواج يجب أن يتم بإذن أهلها باعتبارها عبدة مملوكة لمولاها ، وباعتبار أنها جديدة العهد بالتقاليد الإسلامية ، ولربما كانت في بلادها تمارس الفاحشة حسب تقاليدها ، ويخشى أن يتخذها المفسدون سلعة للهوى ، وإشاعة الفاحشة في البلاد الإسلامية مستغلين ظروفها المعيشية ، وعاداتها الخلقية ، وحداثة عهدها بالقيم الإسلامية ، من هنا ركز الإسلام على هذه الحقيقة وقال : فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ . يحذر القرآن من تسيب الأسيرات وتحولهن إلى بنات هوى في المجتمع الإسلامي ، ولكنه من جهة أخرى خفف العقاب عنهن لو فعلن الفاحشة ، لأنهن جديدات عهد بالقيم الإسلامية ، ولظروفهن المعيشية والاجتماعية الخاصة التي تساعد على الفاحشة ، وقال الله : فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ . وعاد القرآن ليُبّين أن الزواج من الأسيرة محدود بظرف الاضطرار وقال : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . كيف ننظر إلى التاريخ ؟ [ 26 ] هذه شرائع الله يبينها للناس لكي يفتحوا أعينهم ، ويبصروا دربهم بوضوح ، ذلك الدرب الذي مشى عليه السابقون الصالحون فبلغوا أهدافهم ، وتنكب عنهم الفاسقون فسقطوا في جهنم . إن استخلاص تجارب التاريخ ، وإعطاء رؤية حياتية منبثقة من حقائق التاريخ هو من أهم ما يقوم به القرآن الذي فيه خبر من قبلنا كما يقول الرسول الأكرم محمد ( صلى الله عليه وآله ) « 1 » ، وعلى
--> ( 1 ) روى العياشي في تفسيره ج 1 ، ص 3 : عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَفَعَهُ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ : « دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( عليه السلام ) فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ سَمِعْنَا / -